——————- 1 ——————–
قصتي اليوم .. هي قصة جديدة .. لكنها مكررة !
قصة معاناة ألف .. لا بل مليون امرأة موجودة بيننا ..
هدى .. شابة لم ينقصها يوماً أي شيء .. عاشت في كنف بيت متوسط المعيشة .. ليس لديه دخل كبير لكن الله لا يترك أحد .. فاندرجت في السلم الدراسي حتى أخذت شهادتها الجامعية .. والتحقت في سلم التدريس وهي ابنة الثلاث وعشرين سنة .. لتكون مدرسة مخلصة في تدريسها .. قائمة بشئونها والكثير من شئون بيتهم !
كانت هدى .. وكانت قصتها !
لكنها لم ترضَ يوماً على وضعها ووضع أسرتها وكبتهم إياها ..!
هدى .. فتاة طويلة .. بيضاء .. تحمل تقاسيم جميلة جداً .. وفيها أنوثة واضحة على محياها .. إضافة لكونها متربية أحسن تربية من أمها التي كابدت العيش في ظل أبيها .. أبو حمد !
في أيام دراستها في كلية المعلمات .. لم تكن هدى تعيش في صومعة .. بعيدة عن المجتمع والناس .. بل كانت تعيش مع فتيات عمرها وتعيش الموضة ..
تقدم لها في حياتها الجامعية أكثر من إنسان .. ولكن أبرزهم أخو صديقتها منى .. الذي كان لا نقصه شيء .. كان شاب مدرس في نفس البلد .. وفي نفس تخصصها ..
لكن الوالد رفض أكثر من مرة !
——————- 2 ——————–
تخرجت هدى .. وبدأت التدريس في حائل .. وكان هذا النقاش بينها وبين أمها ..
- يمه .. والى متى وأبوي يرد الناس اللي يخطبوني !
- يا بنتي والله عجزت عنه .. يقول البنت توها صغيرة !
- يا يمه خوياتي معهن عيال الحين يبون يدخلون المدرسة .. وهو يقول صغيرة ! يا يمه ما هي حالة والله !
- يا بنتي اصبري .. يمكن خيرة لك إن شاء الله !
التفت هدى وهي تقول .. قالت خيرة قالت !
الهت هدى نفسها في هذه الفترة بالتدريس .. فاجتهدت مع الطالبات أيما جهد وركزت أشد التركيز على التحضير واستخدام الوسائل المناسبة خصوصا أن مادتها " الكيمياء " تحتاج إلى جهد إضافي في المعمل وغيره ..
كان الراتب في نهاية الشهر .. ينصب في جيب الوالد ما عدى راتب السواق وخمسمائة ريال يعطيها ترضاه لهدى !
احتسبت هدى عملها .. وهي امرأة دينة تعيش مع الله في كل خطواتها ولحظاتها !
ومع وجود الملهيات حولها .. وداعي النفس والهوى والشيطان ..
كانت ترفع يديها بالدعاء .. اللهم إني أسألك " الهدى والتقى والعفاف والغنى ! "
——————- 3 ——————–
قرعت هدى مع تعاقب السنين .. بوابة الثلاثين !
وصارت تقف على عتبات العقد الثالث من عمرها وهي إلى الآن .. لم تتزوج .. ولم تنجب .. ولم تحادث رجلاً – غير محارمها – قط !
كانت هدى حينما تذهب للسوق لتشتري لها ملابس .. تحمر خدودها من خلف الخمار وهي تخاطب الباعة .. وتحس بخجل شديد يكاد يتجلى من خلال صوتها الخافت حين تسأل عن السعر .. لكنها كانت توقن أشد اليقين أن زينة المرأة في حيائها .. وجمالها في حشمتها .. فكانت بتسترها تغلق كل باب مفتوح للشيطان للوصول إليها رغم أن الظروف مهيئة والداعي موجود والرقيب غافل .. لكنها تتذكر الرقيب الأعلى .. ويتردد في أذنها .. فإنك على كل شيء رقيب ..
كانت زميلتها سعاد .. تكرر عليها دائماً مطالبها .. أن تجعل لنفسها فسحة في الكلام مع أحد الخلان ..
- أقول هدى .. ولا متى وأنتي معقدة روحك كذا !
- يا سعاد والله الدنيا ما تسوى الواحد يذنب فيها .. يمكن يوم .. يومين وأقابل ربي وأسلم من الدنيا وأهلها !
- يا هدى ! ترى ما هو على ما تتوقعين .. الدنيا فيها فلة ووساعة صدر .. فلي الحجاج وخلي عنك هالخرابيط ..
- أقول سعاد تبين تعقلين ولا !
- خلاص .. خلاص .. أيام سوري ! ما ينحكى معه أعوذ بالله !
تتعمد هدى أن تلتمس طريق الهدى .. فبدأت بطلب العلم وهي ترى في ذلك أكثر تثبيتا لها أمام المغريات ..
——————- 4 ——————–
وقفت هدى .. وهي تكتب كلماتها على دفتر التحضير في آخر صفحة ..
" أنا لستُ قصة عابرة .. أنا قصة إنسان ..
أنا جرح الزمان .. لكني لستُ من قصص التاريخ البريطاني القديم .. فليست قصتي كقصة سالي كوير التي فقدت والديها وورثت بعد قصة معاناة مؤلمة منجماً للألماس ..
أنا قصة امرأة .. حبست في بيتها ومنعت حضن زوج دافئ ..
حرمت لذة عناق حب .. وسجنت في غرفتها ..
أنا إنسانة ..!
لا ينقصها شيء سوى قلب عطوف !
تسألوني عن الجمال .. عن البياض .. عن الدلال .. عن الأنوثة .. عن ربة البيت المجدة المجتهدة .. عن كل ما يتطلبه الرجال في المرأة ..؟!
كله موجود .. لكن قلب أبي غير موجود !
أبي الذي حرمني كل الأزواج الذين قرعوا بابنا .. واستجدوا مصاهرتنا ..













