تحت الصفر ..!

كتبهاMohammed Alsaleh ، في 8 يناير 2008 الساعة: 11:14 ص

 

تتساقط قطرات الماء واحدة تلو الأخرى .. ثم ينساب بقوة معلناً نفوره من تنور السخّان نحو " البانيو " .. أدس قدميّ بالتتالي .. ثم أدخل ببطئ تحت الدش الساخن ..

 

يتساقط الماء الدافئ على جسدي .. وبما فيه من شحنات ليملأ جسمي بتلك الشحنات ..

 

أشعر بالدفء .. لا أريد الخروج من تحته لأواجه برودة الشتاء الشمالي القارس …!

 

أجاهد نفسي مراراً قبل أن أطفئ الصنبور .. ثم ألتف بالروب .. وأخرج من حمام يفوح بالبخار الحار ..

 

أختار هذه المرة بنطالاً أسوداً .. وفانلة صوف مخططة بالسواد والبياض كلون الشال الذي سأتلثم به ..

 

أمتطي سيارتي .. وأحاول أن أرى النور الخافت في الشارع ..

 

25 : 6 صباحاً الآن … الكل يسوده الصمت .. المكان والزمان وحتى الجو ..

 

ما من أحد يوجد في هذا العالم الذي حولي سوى بريق خافت يدل على سيارة قادمة من بعيد .. يوجد بها عامل كادح أو مجموعة مدرسات مع سواق يذهبن للعمل في أحد القرى النائية ..

 

أما البقية … ففي فرشهم خامدون !

 

لا يكاد يتبين الطريق بسبب اللثمة التي وضعتها .. فلا يبين مني سوى بريق عيناي .. وشعيرات من تحت القبعة الصوفية التي تغطي هامتي ..

 

وأتشح البالطو الأسود ذا الجلد الأصلي والفرو الطبيعي .. والذي اقتنيته من " البزار " القابع في قبو مسجد شاه أحمد !

 

أسير بهدوء وسكينة .. وأتوجس الخوف في كل العيون القليلة التي تلحظني … أين يذهب !؟

 

مررتُ بجوار المستوصف .. ورأيت درجة الحرارة .. ثلاث درجات تحت الصفر .. فعرفتُ أننا نعيش تحت الصفر الآن !

 

وصلتُ .. حيث حيي القديم .. وركنتُ سيارتي .. وانطلقتُ بسكينة أجوب تلك الأحياء القديمة ..

 

بيوت الطين ليست كبيوت الطين .. وحتى الممرات التي كان محمد يتجول بها ليست كهي ..

 

هل يُعقل أن تضيق ..!؟ أم أن عيني كبرت عليها ؟

 

وقفتُ أمام السدرة .. ورأيتني أركض بكل براءة هناك .. تمنيتُ وقتها أن أكون كما أنا في ذاك الزمان الغابر ..

 

راح خيالي بعيداً .. وآثرتُ أن أواصل حتى أصل للجدار الذي يضع الشمال بهبوبه المهيبة خلفي وأستقبل القبلة والجنوب وشروق الشمس بوجهي ..

 

اتكأتُ على ذاك الجدار القديم .. ولم أشأ أن أقف .. أريد أن أجلس هنا !!

 

جلستُ .. والهواء يطاير ذرات الرمل من أمامي فتسبح في الهواء حرة أبية لوحدها ..

 

وأركيتُ رأسي على الجدار .. ورحت أنتشي روح الزمان ..

 

وقتها .. عرفتُ أنني غريب ..!

 

هذا العالم .. أجزم أن عدده عدد فردي .. ففي اللحظة يولد عدد زوجي من الناس .. كل شخص يولد ومعه توأمه الروحي .. في مكان ما !

 

أو ربما ولد .. وحلمه قد ولد قبله .. أو سيأتي بعده ..

 

إلا أنا !

 

وصلت مشاعري لتحت الصفر .. من شدة الحاجة والفاقة .. والجوع !

 

وتجمدت أطرافي وأطراف جناني من تلك الرياح العاتية التي تهب على وجداني فتكسوها بالزرقة .. ثم السواد ..!

 

كم هي الهوة التي توجد في أعماقي .. وتردد مراراً بالاحتياج ..!؟

 

بل .. سألتُ محمداً الصغير الذي وقف أمامي ينظرني بنظرة تفقدية .. يحتار عن سبب وقوف هذا الشاب بلثامه الأسود وكوته الأسود وبنطاله الأسود  ولم يوجد به شيء أبيض سوى طرف وجهه وبياض عينيه .. والبؤبؤ الذي بدأ يلمع مع بريق شمس البكور ..

 

سألته … كيف هي طموحاتك فيني .. وكيف تراني بعينيك ..؟

 

كم مرة .. تمنيتُ صديقاً صدوقاً صادق الوعد .. منصفاً .. يعرفني أكثر من أن يعرف نفسه ..؟

 

وما هي أيامي .. بدون أن أجد حضني الدافي … فأضمه حتى تختلط أضلاعه بأضلاعي …؟

 

سلني يا أنا .. هل بقي في النفس قيمة للبرد الذي يلامس جسدها .. وروحها على حدّ سواء ..

 

تحت الصفر ..!

 

هي درجة الحرارة في العالم الذي أعيشه .. حيث الثلج بدأ يذوب مع على سطح السيارة .. ولكنه لم يذب بعد من عليّ ..!

 

خرجت الشمس .. فلامس دفئها الكون .. وعادت الحياة من جديد للدنيا ..

 

فانتشر الدفء في الضمائر .. وأحس العالم بقيمته .. أي الدفء ..

 

وأنا هنا .. على جداري القديم .. أنتظر شمسي ودفئي ..!

 

سأبحث عنك .. كما بحثتُ عن حل كل المسائل الصعاب في حياتي ..

 

وسأكشف سرك .. كما اكتشف أهل اللغة والتاريخ اللغة لغة الفراعنة .. فاكتشفوا أسرارهم وقصصهم وحياتهم ..

 

وقتها .. سأضمك حتى ..!

 

تملأ الهوة التي تفرغ قلبي ..

 

وتمسك قلبي من ركلاته الدائمة على جوانب روحي ..

 

وتنشر الطمأنينة والدفء في أنحائه .. هو كالطفل الصغير في يدك الآن ..

 

وتختلف أضلاعي بأضلاعك ..

 

وتنسى الدنيا فيني كما أنسى دنياي فيك ..

 

أريدك فقط .. أن تشعرني .. بي !

 

أنت احتياجي !

 

محمد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

21 تعليق على “تحت الصفر ..!”

  1. محمد… أيها البهي من نبع البهاء أطللت بمعية حروفك المتألقة..

    أتريدني أن أعلق؟؟ أي تعليق تريد..

    لا تعليق لأني أي تعليق لن يناسب أن يكون مجرد تعليق لرائعتك..

    إستمتعت بما قرأت حد الثمالة..

    أستأذنك بقراءة أخرى وربما ثانية وثالثة.. ولن تكون هناك أخيرة..

    شكري.. وإمتناني.. لإمتاعي.. ولاستمتاعي..

    دمت وسلمت..

  2. ما كل هذا البرود وماكل هذا الثلج المتساقط فوق رؤوسنا..

    حروفك مؤلمة جداً..

    وعلى الرغم من أنها توشحت برداء الصقيع ولكن مازلت أرى الدفء يتسكع بين ضلوعها..

    تحت الصفر..

    كثيرون هم من دفنوا أنفسهم تحت الصفر..

    ولكني موقنة بأنهم سيعرجون نحو أعلى درجات الحرارة الممكنة بالصبر والارادة..

    قلمك متألق ومتمرد على برودة الورق..

    تحياتي وإحترامي..

  3. مرحباّ ..محمد

    كثيرون هم من يكتبون …ونقرأ لهم ايضا …لكن كم واحد منهم …يجعلنا أثناء القراءة السطورهم في حالة …شوق لقراءة السطر التالي !

    و كم واحد منهم يقتحمون أعماقنا …أقتحاماّ بجمال كلاماتهم وعمق احساسهم

    ويجعلونا نعيش اجوائهم معهم ..قلة هم ..!

    بصدق أنت منهم ..شعرت أثناء القراءة بكتل من الثلج تغطي اعماقي أو تذكرت وجودها!

    كل التحية والاحترام لك

  4. تجرد للذات.. أمام حقائق شخصياتنا.. بمرارة..

    نتساءل .. نلهث بحثاً.. عن مرآة أنفسنا..

    نبحث عن التجرد الصادق الأمين.. مع أرواحنا

    وكثيراً ما نخرج في النهاية.. بلا إجابة محددة..

    لأننا لم نجد الصفاء في العلاقات والنقاء

    ولا مع أقرب الناس إلينا ليكونوا مرآة لنا..

    عندها تلفنا الوحدة.. وتملأنا الوحشة

    ولكن نستمر في البحث عمّن يحقق مقولتك..

    “حتى

    تملأ الهوة التي تفرغ قلبي ..

    وتمسك قلبي من ركلاته الدائمة على جوانب روحي ..

    وتنشر الطمأنينة والدفء في أنحائه .. هو كالطفل الصغير في يدك الآن ..

    وتختلف أضلاعي بأضلاعك ..

    وتنسى الدنيا فيني كما أنسى دنياي فيك ..

    أريدك فقط .. أن تشعرني .. بي !

    أنت احتياجي !”

    دمت وسلمت..

  5. تساقط الثلج من حروفك

    و تجمّد التعبير

    كما

    تجمّدت مشاعرنا بعدما ارتوت من الدموع و أدركنا إحتياجنا لأشخاص نفتقدهم بصدق ..

    نبحث عنهم .. فلانجدهم !

    ولكن كما ننتظر الشمس تطلّ علينا لنشعر بالدفء فلازال للأمل بقية و حتما سنصل إليهم يوماً ماء!

    دمت وسلمت :)

  6. كُنت هنا…

    أرشف الصقيع

    و أدعو للعزيز محمد…

    أن لا يضيع

    و أن يظل هو…

    رغم أنف الصقيع

    و أن…

    يحتضنه قريبا..

    دفء ربيع

    دمت بخير…

    “ستقول عني مجنونة…لأني أتمنى أن أعاند مثل هكذا برد و صقيع..

    فهنا في مدينتي لا صقيع..

    بل بعضٌ من نسائم برد

    و كثير من حرٍ و ترقيع”

    إحترامي

  7. ما في الخيام أخو وجد يريحك إن_______بثثته بعض شأن الحب فاغترب ِ

  8. يا لحقارة ما نتعارك عليه،

    ويا لصغار ما نتخاصم من أجله،

    ويا لخبث ما نتخابث من أجل الفوز به،

    ويا لوضاعة ما انكببنا عليه وتركنا في سبيله سبيل ربنا،

    وهداية رسولنا،

    وابتعدنا من أجله عن ديننا،

    وحُدْنا عن الطريق إلى الله.

    الهجرة في حقيقتها دعوة سنوية مفتوحة لكل مسلم ليهاجر إلى الله من معاصيه ومخالفاته،

    دعوة مفتوحة لها أبواب السماء لقبول المهاجرين إلى الله

    هجرة من عاداتهم ومألوف ما درجوا عليه من غياب عن ساحة الله،

    حيث يريد الله أن يجدهم،

    وما لبثوا فيه من التواجد حيث نهاهم الله

    ولا يريد أن يجدهم فيه.

    هذا أوان الهجرة فاختر هجرتك

    وكل عام وأنتم بكل خير

  9. كعادتك مبدع.. وانا مثلك ولكني اعتقد ان عدد البشر في هذا الكون زوجي وليس مفردا

  10. لا تعليق يمكنني ان اضيفه … لانني حتماً لن انصف الموضوع

    مبدع أخي محمد

    دمت سالماً

  11. محمد اشوف خواطرك تحولت لصقيع وجليد ومشاعر متجمده تحتاج لمن يصهرهاا كأن الجو اثر عليك ههههه

    افتقدتك في مدونتي فقلت ابحث عنك هناا لعلي اجدك وكماتوقعت ابداع تحت درجه الصفرر

  12. أحسست بصقيع يجري في جميع انحائي

    كلماتك اضفت نوعا من الثلج المنهمر عللي تلال الروح

    ما اقساه من برد .. هل يتحمله ميزان الحرارة

    هي لحظات تجتاحنا احيانا نشعر بوحده قاسية

    والم وشوق لدفيء يشعرنا بالوجود

    احيانا تجتاحنا الغربه الروحية تقشعر لها اطرافنا

    نحتاج الي ما هو اكثر من ماء ساخن

    تري هل سنجده .. لا اعلم

    الاخ محمد الصالح

    ساصمت لنصك اليوم

    اشعر بما تشعر واكثر

    دمت بكل الود

  13. م. محمد

    إمتاعية جديدة تضاف الى رصيدك يا أنيق ..

    هذا الحوار الداخلي بارد حد الإرهاق

    والمقارنة مابين النحن الحالية والنحن المستقبلية

    متعبة و مؤلم لأنها تجر الكثير من الأسئلة والخيبة..

    مهما بلغ الإنسان من مرتبة عالية فإن صوته الداخلي

    لن ينصفه …بل سيعاتبه ويؤنبه .. وفي هذا طموح

    وسعي للخير بإذن الله..

    وجدانيه شيقة وممتعه ..

    بالمناسبة … شخصيا ً أثق بالأرقام الفردية

    وأجدها أكثر سلطة و تفرد :)

    وفقت يا صديقي .. وأتمنى ان تكون بالقرب

    حفظك الرحمن

  14. مرحبا بالجميع ..

    لا أدري لم الصمت أصبح لزاماً لي .. ولعل لبرد روحي أثر لا أعلمه !

    أشكر كل من شاركني قراءة نفسي هنا ..

    لكم جزيل تقديري واحترامي ..

  15. هنـــــــــــــــــاء قال:

    لم يبقى للحروف مكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان…………

    ):

  16. جئتُ كثيراً وهربت ..

    :

    صقيعُ جهنم .. مرت في خاطري هذه العنونه التي قرأتها ذات يوم لـ أحدهم !

    فـ هل نحترق حتى نتجمد !

    فـ تتيبس دواخلنا وتتصلب شرايين الـ ذاكره !

    محمد

    أنتَ هنا غير غير ..

    أعشق هذه الـ نوع من الكتابه الذي يجرد معاناتنا الشخصيه ! ويفتش في دواخلنا عنّا !!

    :

    كم أنت مدهش رغم الـ وجع !

  17. “كل شخص يولد ومعه توأمه الروحي .. في مكان ما !”

    ربما………

    كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل..حين قلت عبارتك “فأضمه حتى تختلط أضلاعه بأضلاعي” ورد الى ذهني القبر وضمته…

    رحمنا الله برحمته الواسعة ..نصك أحزنني لاادري لماذا..

  18. مساء الخيررررررررر

    اعجبتني كتابتك وبالنهاية انذهلت او تقدر تقول انصدمت كانت مشاعرك صادقة جدا وعجبني الشوق والتعبير الي باسلوبك تحياتي لك

  19. العزيز محمد

    كلماتك جميلة واعجبني صدق المشاعر فيها.

    تمنياتي لك بالاستمرار.

    وشكرا

  20. هل صحيح ان الانسان يولد ويولد شريك عمره وتوأم روحه معه…؟ماذا اذا لم نجده طوال ايامنا..؟ وبقينا متجمدون .. باردون حتى اخر لحظاتنا …

    ..كنت اقرا مقالاتك منذ فترة ..والتمست بها ذاك الصدق النادر الوجود .. احييك اخي….!

  21. مرحبا أختي ..

    فقط تتبعي الإشارات .. فالدنيا مليئة بالإشارات التي تدلنا إلى الطريق الصحيح ..

    كلنا لا زلنا نبحث عنه ..

    توقفتُ فترة طويلة .. لكن عدتُ بعد غياب … وأتمنى أن تكون العودة خير من البداية ..

    لك جزيل تقديري واحترامي ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر